الاعتقال الإداري

Printer-friendly versionPDF version

ورقة عن الاعتقال الإداري

أيار 2015

إن الاعتقال الإداري هو اعتقال بدون تهمه أو محاكمة، يعتمد على ملف سري وأدلة سرية لا يمكن للمعتقل أو محاميه الإطلاع عليها، ويمكن حسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية تجديد أمر الاعتقال الإداري مرات غير محدودة، حيث يتم استصدار أمر إعتقال إداري لفترة أقصاها ستة شهور قابلة للتجديد.

إن الاعتقال الإداري إجراء مرتبط بالوضع السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحركة الاحتجاج الفلسطيني على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، وهو عقاب وأجراء سياسي يعبر عن سياسة حكومية رسمية لدولة الاحتلال باستخدامها الاعتقال الإداري كعقاب جماعي ضد الفلسطينيين، والإعتقال الإداري بالشكل الذي تستخدمه قوات الإحتلال محظور في القانون الدولي، فقد استمر الاحتلال في اصدار أوامر إعتقال إداري بحق شرائح مختلفة من المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية ، نشطاء حقوق إنسان، عمال، طلبة جامعيون، محامون، أمهات معتقلين وتجار.

يحتجز حاليا 414 معتقلاً فلسطينياً في سجون الاحتلال تحت أوامر الاعتقال الاداري دون تهمة أو محاكمة لمدة غير محددة من الزمان، منهم 7 من اعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني.

يقع إصدار أوامر الاعتقال الإداري دون تحديد عدد مرات التجديد للمعتقلين من سكان الضفة الغربية وغزة بيد الحاكم العسكري الإسرائيلي للمنطقة، فيما يقع إصداره ضمن صلاحيات وزير الأمن الإسرائيلي للمعتقلين من سكان القدس، يمنح القانون الإسرائيلي للقائد العسكري صلاحية إجراء أية تعديلات على الأوامر العسكرية المتعلقة بالاعتقال الإداري بما يتلائم والضرورة العسكرية، دون الأخذ بالحسبان أية معايير دولية لها علاقة بحقوق المعتقلين.

ترجع القوانين العسكرية الإسرائيلية المتعلقة بأوامر الاعتقال الإداري إلى قانون الطوارئ الانتدابي لعام 1945، ويستند القائد العسكري الإسرائيلي في غالبية حالات الاعتقال الإداري على مواد سرية، وهي بالأساس مواد البينات ضد المعتقل، والتي تدعي السلطات الإسرائيلية عدم جواز كشفها حفاظاً على سلامة مصادر هذه المعلومات، أو لأن كشفها قد يفضح أسلوب الحصول على هذه المواد، وقد أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية في حالات عدة جواز إمكانية عدم كشف هذه البينات، وعدم إلزام السلطة باحترام حق المشتبه به بالحصول على إجراءات محاكمة عادلة، بما يعد انتهاكاً لحق المعتقل الإداري في معرفة سبب اعتقاله، فمن حق كل شخص أن يعرف سبب اعتقاله، وتنص المادة 9(2) من العهد الدولي المذكور "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" على ما يلي: "يجب إبلاغ كل شخص يقبض عليه بأسباب القبض عليه لدى وقوعه، ويجب إبلاغه على وجه السرعة بأية تهمة تُوجَّه إليه".

وانتهاك حق المعتقل الإداري في عدم التعرض للقبض عليه أو اعتقاله تعسفياً، حيث تنص المادة 9(1) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" على أنه "لا يجوز القبض على أحد أو اعتقاله تعسفاً"، وأنه "لا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه". وقد ذكرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن مصطلح "التعسف" لا يعني فقط أن الإجراء "مخالف للقانون"، بل يجب تفسيره تفسيراً أوسع ليتضمن بعض العناصر الأخرى، مثل عدم اللياقة والظلم وعنصر المفاجأة.

يتم محاكمة الفلسطينيين في محاكم عسكرية إسرائيلية لا تراعي أصول المحاكة العادلة المنصوص عليها قانونياً ودولياً والتي تحفظ لهم حقهم في المساواة أمام القانون، والمثول أمام محكمة مختصة ومستقلة وحيادية ومنشأة بحكم القانون، ونظراً لان الاعتقال الإداري يتم دون محاكمة فعلية، فتكون مراجعة ملفات الاعتقال الإداري في محكمة رقابة قضائية من قبل قاض عسكري وليس لجنة، وكانت المحكمة تقوم باستدعاء مندوب المخابرات عند بحث كل ملف لعرض البينات السرية بالتفصيل من قبله أمام القاضي في السابق، وتم التنازل عن هذا الإجراء خلال فترة إعادة احتلال الجيش الإسرائيلي لمدن الضفة الغربية عام 2002، ويرجع قرار استدعاء ممثل المخابرات من عدمه اليوم للقاضي، وهذا يعني أنه في الغالبية المطلقة من الحالات يقوم القاضي بالإطلاع على ملخص البينات ضد المعتقل وليس كافة المواد السرية، ولا تتاح له الفرصة لمناقشة رجل المخابرات في كيفية حصوله على المعلومات، وكيفية فحصها للتأكد من صحتها.

تقع جلسات مراجعة الاعتقال الإداري تحت مصنف الجلسات غير العلنية أي المغلقة والتي لا يسمح للجمهور أو لأفراد من العائلة حضورها، أي يمثل فقط المحام، والمعتقل، والقاضي، المدعي العسكري، وممثلو المخابرات في بعض الأحيان مما يشكل حرماناً للمعتقل من حقه في الحصول على محاكمة علنية، حيث تكفل المادة 14(1) من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" الحق في المحاكمة العلنية، باعتبار ذلك عنصراً أساسياً من عناصر المحاكمة العادلة، ويجب أن تكون القاعدة هي إجراء المحاكمة شفوياً وعلنياً، ويجب أن تعلن المحكمة أياً كان نوعها، المعلومات الخاصة بوقت إجراء المحاكمة ومكانها، ويجوز منع الجمهور وأجهزة الإعلام من حضور جانب من المحاكمة أو من حضورها كلها، ولكن ذلك يقتصر على ظروف استثنائية (كأن يكون الإعلان عن بعض المعلومات الخاصة بالقضية مصدر خطر حقيقي على أمن الدولة) ولأسباب محددة، على نحو ما نصت عليه المادة المذكورة.

يحتجز معظم الإداريون الذكور حالياً في معسكر عوفر، النقب ومجدو، وتحتجز الأسيرات فلسطينيات المعتقلات إدارياً في سجن هشارون، وقد أجازت محكمة العدل العليا للسلطات الإسرائيلية إصدار أوامر اعتقال إداري، دون تحديد مكان الاحتجاز بأمر الاعتقال نفسه، بالرغم أنه حسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية وقانون الطوارئ (الاعتقالات) لعام 1979، يجب احتجاز المعتقلون الإداريون في أقسام منفصلة عن المعتقلين غير الإداريين، وجاء قرار المحكمة العليا لتسهيل مهمة الاحتجاز في أي مركز توقيف دون الالتزام باحتجاز المعتقل في مراكز خاصة فقط بالإداريين كسجن النقب، وبداية كان هذا التعديل سارياً حتى 4 ديسمبر 2002 وتم تجديد سريانه لاحقاً.

وقد أمضى أطول معتقل فلسطيني 8 سنوات دون توجيه تهمة له، كان في السابق كان إذا صدر الأمر لمدة 6 شهور وجب مراجعته قانونياً من قبل قاض عسكري مرتين خلال هذه الفترة، وهناك حق بالإستئناف على كل قرار يصدر من القاضي، أما منذ نيسان 2002 أبطل هذا الإجراء وتتم المراجعة فقط مرة واحدة مع الحق بالإستئناف.

يتم إحضار المعتقل أمام القاضي خلال 8 أيام من يوم إصدار أمر الاعتقال الإداري، بينما بموجب القانون الإسرائيلي خلال 48 ساعة، وهذه المدة تخضع لصلاحية القائد العسكري المشرع له إجراء التعديلات كلما اقتضت الحاجة، كما حدث في نيسان 2002 حيث مددت الفترة لمدة 18 يوماً.

ويذكر أن القاضي العسكري والمدعي العام يخدمان في الجيش الإسرائيلي، ويعملون في نفس الوحدة القانونية في الجيش الإسرائيلي، ويتم تعينهما من قبل نفس الهرم الوظيفي، وهناك عدد من المدعين العامين الإسرائيليين الذين عملوا ويعملون كقضاة حالياً في المحاكم الاعتقال الإداري.

يمنح القانون الإسرائيلي للقائد العسكري صلاحية إجراء أية تعديلات على الأوامر العسكرية المتعلقة بالاعتقال الإداري بما يتلائم والضرورة العسكرية، دون الأخذ بالحسبان أية معايير دولية لها علاقة بحقوق المعتقلين.

إن جهاز الأمن العام الإسرائيلي يأخذ بيده القانون ويقوم الجهاز القضائي بدور المنفذ للسياسات الأمنية ويحاول أن يضفي الطابع "القانوني" على سياسة الاعتقال الإداري (التعسفي)، أي أن الجهاز القضائي لا يتسم بالجدية والموضوعية والاستقلالية، ويبقى إلى حد كبير متأثراً بالسياسات الأمنية، وعرضة لتدخل الأجهزة الأمنية بذريعة أن المصلحة العليا الإسرائيلية تستوجب سياسة الاعتقال الإداري، رغم تعارضها مع مبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة وحقوق الإنسان.

يتوجب على الفلسطينيين الراغبين بزيارة أقاربهم المعتقلين في السجون الإسرائيلية، تقديم طلب للحصول على تصريح من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وهو فعلياً "تصريح دخول لدولة الاحتلال" حيث يمنع مواطنو الضفة الغربية وقطاع غزة التواجد داخل دولة الاحتلال دون الحصول على تصريح خاص، نظراً للإغلاق الدائم المفروض على المناطق الفلسطينية، وان كانت دولة الاحتلال لم تمنع زيارات الأهالي لأبنائهم في السجون بشكل مباشر، لكنها قامت بنقل جميع السجون والأسرى داخل الارض الفلسطينية المحتلة عام 1948، وأعطت لنفسها صلاحية تحديد من يحصل على تصريح دخول لتلك المناطق، وحرمت آلاف العائلات الفلسطينية من التواصل مع أبنائها في السجون الإسرائيلية.

وبالرغم من حق المعتقل الإداري تلقي زيارتين من العائلة حسب الحقوق المنصوص عليها في القانون الإسرائيلي الخاص بالاعتقال الاداري، إلا أن العديد من المعتقلين الإداريين ممنوعون من تلقي زيارات عائلية، وتسري عليهم نفس الضوابط التي كانت السلطات الإسرائيلية قد أصدرتها عام 1996، والمتعلقة بزيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، والقاضية بالسماح فقط لبعض فئات أقارب الدرجة الأولى بزيارة المعتقلين، وتلك الفئات هي:الأب، والأم، الزوج، الزوجة، الجد، الجدة، أما البنات والشقيقات، والأبناء، والأشقاء فيقتصر السماح بالزيارة على من هم دون 16 وفوق السادسة والأربعين منهم.

اعتقلت القوات الإسرائيلية منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في عام 1967 أكثر من700000 (سبعمائة الف) فلسطيني، يشكون تقريبا 20% من مجموع السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن غالبية هؤلاء المعتقلين هم من الرجال نصل إلى حقيقة أن حوالي 40% من مجموع الذكور الفلسطينيين في الأراضي المحتلة تم اعتقالهم.

 

هل يتناسق الاعتقال الإداري بموجب الأوامر العسكرية الإسرائيلية مع القوانين والمعايير الدولية ذات العلاقة؟

نعرض فيما يلي موقفا قانونيا من الاعتقال الإداري التي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد أبناء الشعب الفلسطيني.

 

الصلاحية القانونية التي ترتكز عليها سلطة الاحتلال:

منذ بداية الاحتلال عام 1967 استندت سلطات الاحتلال على أنظمة الطوارىء لاستخدام الاعتقال الإداري، وفي سنة 1970 قامت بتحويل المادة 111 من أنظمة الطوارىء إلى المادة 87 من الأمر العسكري رقم 378 بشأن تعليمات الأمن للعام 1970، أما اليوم وبعد اجراء تعديلات على الأمر العسكري 378 - اصبحت المادة 285 من الأمر 1651 هي الإطار القانوني لإجراء الإعتقال الإداري. 

تدعي سلطات الاحتلال أنه بموجب المادة 78 من اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب (1949)- الاتفاقية الرابعة-، يحق لها أن تقوم باحتجاز الأشخاص الخاضعين لسلطتها تحت الاحتلال للاعتقال الإداري.

تنص المادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة على "إذا رأت دولة الاحتلال لأسباب أمنية قهرية أن تتخذ تدابير أمنية إزاء أشخاص محميين، فلها على الأكثر أن تفرض عليهم إقامة جبرية أو تعتقلهم". سنوضح فيما يلي كيف أن الاعتقال الإداري الذي تقوم به سلطات الاحتلال يختلف شكلاً ومضموناً عما ورد في اتفاقية جنيف.

تتنافى الظروف التي تقوم سلطة الاحتلال فيها باستخدام هذا الأسلوب من الاعتقال والإجراءات مع الشروط بموجب الاتفاقية الدولية والمعايير الدولية الأخرى للمحاكمة العادلة، فالواضح أن الاتفاقية تتحدث عن الاعتقال الإداري في حالة طارئة جداً وكوسيلة أخيرة لا مفر منها، وإذا كانت هناك الإمكانية لفرض الإقامة الجبرية فلها الأولوية لأنها أقل ضرراً بالشخص.

المبدأ الأساسي أن كل الناس خلقوا أحراراً، وبما أن الاعتقال الإداري ليس اعتقال بسبب ارتكاب مخالفة واضحة لقانون واضح وإنما لأسباب أمنية، يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة، أما الممارسة الفعلية لسياسة الاعتقال الإداري في الأرض المحتلة تبين أن القائد العسكري المخول بإصدار أمر الاعتقال الإداري يقوم بذلك ليس فقط في الحالات الطارئة جداً، يؤكد على ذلك وجود أكثر من 414 معتقل إداري في سجون الاحتلال حالياً، ومنهم من يقضي في الاعتقال فترات تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات. فما هي الخطورة الحقيقية الجدية التي يشكلها الشخص وتبقى حاضرة لمدة سنتين؟ ومنهم من قضى في الأسر سنوات بعد أن حوكم على ارتكابه لمخالفات بموجب الأوامر العسكرية، وعند انتهاء مدة حكمه تم تحويله للاعتقال الإداري بحجة أنه ما زال يشكل خطورة على الأمن!.

وفي سنوات الانتفاضة الأولى وصل عدد المعتقلين الإداريين أحيانا الى عدة آلاف (8000 معتقل)، واستخدمت دولة الاحتلال هذا الإجراء حتى بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية، وقامت باحتجاز العشرات من المعتقلين الفلسطينيين من سكان منطقة A بموجب تقسيمات أوسلو ولفترات تعدت السنتين، فهل هذا حقاً يعتبر وضع طوارىء وضرورة عسكرية لا مفر منها!.

يستند القائد العسكري في غالبية حالات الاعتقال على مواد سرية – بموجب التعديل الثاني للأمر بشأن الاعتقال الإداري (تعليمات الساعة) (تعديل رقم 2) 1988 ( رقم 1254 بالضفة ورقم 966 بغزة)، وهي بالأساس المواد التي تدل على خطورة الشخص، أي أنها مواد البينات ضده ولكن لا يمكن كشفها حفاظاً على سلامة مصادر هذه المعلومات، أو لأن كشفها قد يفضح أسلوب الحصول على هذه المواد، وفي هذه الحالات أقرت المحكمة العليا الإسرائيلية أكثر من مرة أن من الممكن عدم كشف هذه البينات، والسلطة غير ملزمة باحترام حق المشتبه به بالحصول على إجراءات محاكمة عادلة، بينما اتفاقية جنيف الرابعة لا تتحدث مطلقاً عن الصلاحية باستخدام مواد سرية لإثبات الخطورة من الشخص.

تؤكد الشروحات القانونية للاتفاقية (Jean Pictet) على أن الصلاحية في المادة 78 تقوم فقط إذا لم تكن هناك إمكانية لمحاكمة الشخص لأنه لم يرتكب مخالفة بموجب القانون الجنائي، وإنما الخطورة النابعة منه ترتكز على عمل قام به ولكنه غير معلن كمخالفة جنائية أو إذا صرح عن نيته بالقيام بعمل يعتبر مخالفة ولكن لم يرافق ذلك أي عمل فعلي.

والأوامر العسكرية المتعلقة بالاعتقال الإداري تدل على أن غالبية المعتقلين محتجزين لكونهم مشتبهين بالانتماء لمنظمة غير قانونية أو القيام بفعاليات عسكرية، هذا ما يوجه لهم عادة في نص الأوامر العسكرية ذاتها، وكذلك هناك العديد من المعتقلين توجد ضدهم مواد علنية كاعترافات من معتقلين آخرين تنسب لهم القيام بأعمال محددة، ومن هنا يظهر أن الفارق بين ما تتحدث عنه اتفاقية جنيف وما تقوم به سلطات الاحتلال هو فرق جوهري.

 

الاعتقال الإداري ضد سكان القدس:

قد تكون الصلاحية بإصدار أمر اعتقال إداري ضد مواطني القدس بيد وزير الأمن أو قائد المنطقة العسكري إذا ما كان هناك ادعاء عن نشاطات جرت في الأرض المحتلة. بموجب القانون الإسرائيلي، تم العمل بين الاعوام 1948 و1979 بموجب أنظمة الطوارىء البريطانية للعام 1945 تحديدا المادة 111، ولاحقا في العام 1979 سن القانون "قانون صلاحيات ساعة الطوارىء (اعتقالات) 1979"، المادة 2 من القانون تعطي الصلاحية لوزير الأمن بإصدار أوامر اعتقال إداري وفقط في حالات نادرة جداً للقائد الأعلى للجيش، وبموجب المادة 4 من القانون يجب إحضار المعتقل خلال 48 ساعة أمام رئيس محكمة مركزية والذي له صلاحية تثبيت الأمر أو تقصير المدة أو إلغاء الأمر، وهناك الحق باستئناف هذا القرار أمام قاض فرد في المحكمة العليا، وأقصى مدة للأمر تكون 6 شهور قابلة للتجديد، ويجب مراجعة الأمر مرتين خلال ال6 شهور، وطبعاً هناك صلاحية بقبول مواد سرية خلال المراجعة للأمر من قبل قاض، أما إذا كان الأمر صادراً عن القائد العسكري للأرض المحتلة فإن الأوامر العسكرية تسري بهذا الشأن كما ذكرنا سابقاً، ولا يكون هناك أي اعتبار لكون المعتقل من سكان القدس.

 

الرقابة القضائية:

تشير المادة 79 من اتفاقية جنيف الرابعة للمادة 43 من الاتفاقية والتي تنص على "أي شخص محمي يعتقل أو تفرض عليه إقامة جبرية له الحق في إعادة النظر في القرار المتخذ بشأنه في اقرب وقت، بواسطة محكمة أو لجنة إدارية مختصة تنشئها الدولة الحاجزة لهذا الغرض، فإذا استمر الاعتقال أو الإقامة الجبرية، وجب على المحكمة أو اللجنة الإدارية بحث حالة هذا الشخص بصفة دورية، بواقع مرتين على الأقل في السنة، بهدف تعديل القرار لمصلحته إذا كانت الظروف تسمح بذلك".

الواضح من نص المادة أعلاه أن المراجعة لقرار الاعتقال من المفضل أن تكون أمام لجنة مؤلفة من عدة أشخاص وليس فقط من شخص واحد، وهذا يساعد في البحث الموضوعي أكثر في قضية المعتقل، والهدف من المراجعة هو تعديل القرار بما يتلائم ومصلحة المعتقل وليس العكس. البحث في الأوامر العسكرية والتعديلات التي جرت عليها خلال سنوات الاحتلال الطويلة، تشير إلى أن الهدف من المراجعة القانونية لأوامر الاعتقال لا يتلائم ومطالب الاتفاقية.

المراجعة تتم من قبل قاض عسكري وليس لجنة، وكان في السابق يتم استدعاء مندوب المخابرات في بحث كل ملف لعرض البينات السرية بالتفصيل من قبله أمام القاضي، ولكن في فترة إعادة الاحتلال لمدن الضفة الغربية تم التنازل عن هذا الإجراء، ويقرر القاضي اليوم هل سيستدعي المخابرات أم لا، وهذا يعني أنه في الغالبية المطلقة من الحالات يقوم القاضي بالإطلاع على ملخص البينات ضد المعتقل وليس كافة المواد السرية، ولا تتاح له الفرصة لمناقشة رجل المخابرات كيف تم الحصول على هذه المعلومات، وكيف تم فحصها للتأكد من صحتها.

يتم إحضار المعتقل أمام القاضي خلال 8 أيام من يوم إصدار أمر الاعتقال الإداري، بينما بموجب القانون الإسرائيلي خلال 48 ساعة، وهذه المدة تخضع لصلاحية القائد العسكري، والمخول بإجراء التعديلات كلما اقتضت الحاجة، كما حدث في نيسان 2002 حيث مددت الفترة لمدة 18 يوماً. 

في السابق إذا صدر الأمر لمدة 6 شهور وجب مراجعته قانونياً من قبل قاض عسكري مرتين خلال هذه الفترة، وهناك حق بالاستئناف على كل قرار يصدر من القاضي، أما منذ نيسان 2002 أبطل هذا الإجراء وتتم المراجعة فقط مرة واحدة مع الحق بالاستئناف. أيضا كان على القائد العسكري أن يبرز مكان الاحتجاز في الأمر نفسه، أما الآن فلا داعي لذلك وممكن نظرياً احتجاز المعتقل الإداري في كل مركز توقيف أو سجن.

الواضح أن القائد العسكري له الصلاحية أن يقوم بإجراء أية تعديلات على الأوامر العسكرية المتعلقة بالاعتقال الإداري بما يتلائم والضرورة العسكرية، دون الأخذ بالحسبان أية معايير دولية لها علاقة بحقوق المعتقلين إما بموجب اتفاقية جنيف الرابعة أو قوانين حقوق الإنسان المتعلقة بحقوق المعتقلين.

ترفض دولة الاحتلال الإسرائيلي ومنذ بدأ الاحتلال الاعتراف بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأرض المحتلة عام 1967، لأنها تدعي أنها لم تحتل هذه الأرض من سلطة ذات سيادة في حينه – الإشارة للأردن ومصر-، وأتت قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية خلال السنوات السابقة لتؤكد على هذا التوجه إلا أنها أشارت أنه يتم تطبيق المعايير ذات الطابع الإنساني من الاتفاقية، وخلال الفترة الأخيرة يزداد هذا التوجه قوة. تجدر الإشارة أن المستشار القانوني الحالي للحكومة كان قد اقترح أنه ربما يجب على إسرائيل الالتزام بتطبيق الاتفاقية الرابعة على الأرض المحتلة، ولكن لم تتخذ أية خطوة فعلية على هذا الصعيد، وفي قرارها في قضية عجوري (بجاتس 02/7015 عجوري وآخرين ضد قائد قوات الجيش في الضفة الغربية وآخرين، قرارات المحاكم جزء (ن و) 3، 352، ص 368-367)، أكدت المحكمة العليا الإسرائيلية أن المادة 78 من اتفاقية جنيف هي التي تحدد إطار الصلاحية القانونية في موضوع الاعتقال الإداري، ومن هنا يمكننا القول أنه على القائد العسكري إجراء تعديلات على قوانين الاعتقال المتعلقة بالاعتقال الإداري بما يتلائم ومتطلبات الاتفاقية.

من خلال تحليل بعض القضايا التي تم بحثها أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، سنوضح عدم تطابق هذه الإجراءات التي تقوم بها المحاكم العسكرية ومعايير المحاكمة العادلة. وإن كانت اتفاقية جنيف الرابعة لا تتطرق بشكل واضح وصريح لوجوب تطبيق هذه المعايير على الأشخاص المحميين، إلا أنه استنادا للمادة 2 والمادة 3(د)، يمكننا القول أن دولة الاحتلال ملزمة بالمعايير التي تسري في وقت السلم أو تعتبر هامة في نظر الشعوب للحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه، ومن هنا نرى أن إسرائيل كدولة احتلال ملزمة بتطبيق معايير المحاكمة العادلة في حالات الاعتقال الإداري أيضاً.

تدل المتابعة لقرارات المحاكم العسكرية والإجراءات المتخذة أمام هذه المحاكم بما يتعلق بالاعتقال الإداري على خرق واسع النطاق وممنهج من قبل دولة الاحتلال لهذه المعايير، وهذا ما سنوضحه من خلال عرض بعض القضايا لاحقاَ.

يكفي أن نذكر هنا أنه في فترة إعادة احتلال المدن الفلسطينية وعند اعتقال الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني، تم تحويل المئات من المعتقلين للاعتقال الإداري، وكانت تتم الرقابة القضائية أمام قضاة عسكريين في داخل معسكر الاعتقال، وكان القاضي ينظر بما يزيد على 150 ملف يومياً، فهل من المعقول أن يقوم القاضي بدراسة كل ملف ومتابعته بما يفي بشروط المحاكمة العادلة؟!!

 

ظروف احتجاز المعتقلين الإداريين:

تفصل اتفاقية جنيف الرابعة في القسم الرابع منها "قواعد معاملة المعتقلين" حقوق المعتقلين وظروف احتجازهم والعناية الطبية بهم، وكل ما يترتب على سلطة الاحتلال من تقديمه للمعتقلين لضمان احتجازهم في ظروف إنسانية وبقدر لا يمس بكرامتهم.

لن ندخل في تفصيل دقيق لكل هذه الحقوق، ولكن من الإطلاع على ظروف وشروط حياة المعتقلين الإداريين في معسكرات الاحتجاز العسكرية أو في كل من سجون النقب، عوفر ومجدو، يمكننا القول أن بنود الاتفاقية لا يتم الالتزام بها كما يجب من سلطة الاحتلال.