في يوم الأسير الفلسطيني...الأسرى الفلسطينيون في مواجهة السجان وكورونا

Printer-friendly versionPDF version
16 نيسان 2020

تستمر سلطات الاحتلال باعتقال الفلسطينيين رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخ، تحت حججٍ وتهمٍ مختلفة في محاولة لقمع الشعب الفلسطيني. وفي يوم الأسير الفلسطيني، تفيد إحصائيات مؤسسة الضمير بأنه مع نهاية شهر آذار 2020، وصل عدد الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال إلى ما يقارب 5000 أسيراً ومعتقلاً فلسطينياً، من بينهم 432 معتقلاً إدارياً، و41 أسيرة، و7 نواب في المجلس التشريعي، و183 طفلاً منهم 20 تحت 16 عام. يعاني الأسرى والأسيرات من ظروف معيشية وصحية صعبة داخل سجون الاحتلال، حيث تفتقر السجون للحد الأدنى من متطلبات الحياة الإنسانية، وهذه الظروف القاسية التي يواجهها الأسيرات والأسرى الفلسطينيين تزيد من معاناة الأسرى المرضى وتفاقم حالتهم الصحية، كما وتؤدي بالضرورة إلى وجود حالات مرضية جديدة نتيجة لعدم توفر بيئة صحية ومناسبة للعيش الآدمي، حيث أن  معظم السجون هي سجون قديمة ولا تتفق مع المعايير الدولية من حيث مساحتها وبنائها العمراني، وتنتشر فيها الحشرات والقوارض، بالإضافة إلى تنصل إدارات السجون من التزاماتها إزاء الاحتياجات الشخصية والعامة.

وفي ظل هذه المعطيات، تزداد المخاطر المحدقة بصحة الأسرى وسلامتهم، ولم تمنع الجائحة العالمية "فايروس كورونا" سلطات الاحتلال من الاستمرار في اعتقال الفلسطينيين وزجّهم في مراكز التوقيف والتحقيق والسجون، حيث اعتقلت منذ بداية أزمة وباء كورونا ببداية شهر آذار ما يقارب 357 معتقلاً ومعتقلة منهم 48 طفل و4 نساء.

الأسرى الفلسطينيون معزولون عن العالم الخارجي

بعد تفشي فايروس كورونا في الأرض الفلسطينية المحتلة، اتخذت سلطات الاحتلال اجراءاتٍ عدّة تمس الأسرى والمعتقلين بادعاء أنها في إطار مواجهة فايروس كورونا، حيث أعلنت العمل بنظام الطوارئ، وأصدر قائد المنطقة عدة أوامر عسكرية لتسري في حالة الطوارئ. ففي تاريخ 22 آذار 2020 أصدر "أمراً بشأن منع دخول الزوار والمحامين لأماكن اعتقال ومنشآت السجون" بحيث ألغى زيارات عائلات الأسرى وزيارات المحامين، وسمح للمعتقل بالتواصل مع محاميه عبر محادثة هاتفية بناءً على طلبه أو طلب محاميه، وسمح للأسرى المحكومين بإجراء مكالمة مع المحامي بشرط أن يكون هناك إمكانية لعقد جلسة قضائية (كالاستئناف على الحكم مثلاً) ويُسمح بمكالمة قبل الإجراء ومكالمة بعده، ويحق لمدير السجن تحديد مدة المكالمة. كما وأعطى الأمر صلاحية لقائد الشرطة في حالات استثنائية بالسماح للمحامي أو الزائر بزيارة معتقل في حال اعتقد أن الأمر ضروري مع الأخذ بعين الاعتبار عمر المعتقل مع أخذ الاحتياطات اللازمة. استثنى هذا الأمر تواجد المحامين في الجلسات القضائية لتمديد التوقيف، كما وسمح لمندوبي الصليب الأحمر بزيارة الأسرى مع أخذ الاحتياطات اللازمة.

كما وأصدر قائد المنطقة بتاريخ 24 آذار 2020 "أمراً  بشأن اعتقال مشتبهين أثناء تواجد مانع لاستكمال عمليات التحقيق بسبب فایروس كورونا المستجد"، والذي ينص على أنه يمكن للقاضي العسكري تمديد اعتقال شخص حتى في حال تبين له وجود مانع لاستكمال عملية التحقيق مع المعتقل بسبب المخاطر الصحية المتعلقة بالتحقيق مع مريض أو شخص متواجد في الحجر الصحي، ونص الأمر على أن يأخذ القاضي بعين الاعتبار ظروف "المخالفة" المدعى ارتكابها وخطورتها، والمدة المتوقعة التي لا يمكن خلالها استكمال التحقيق، بالإضافة إلى الأضرار التي ستلحق بالمعتقل، وإن قرار القاضي بموجب هذه المادة لا يؤجل تنفيذ عمليات التحقيق في حال كان هناك إمكانية لتنفيذها دون مشاركة المريض أو الشخص المتواجد بالحجر الصحي.

وبتاريخ 5 نيسان 2020، أصدر قائد المنطقة "أمراً بشأن عقد الجلسات الجنائية بواسطة الوسائل التقنية" الذي نص على أن تُعقد جلسات المحاكمة بواسطة جهاز تقني يمكنه نقل الصوت والصورة ببث مباشر، وفي حال عدم توفّر وسائل تقنية كهذه، تُعقد الجلسة بواسطة الجهاز الذي ينقل الصوت فقط، وفي حال تبين لرئيس المحكمة العسكرية أن هناك حاجة ضرورية وملحة لعقد الجلسة بحضور المعتقل لأن تأجيلها أو عقدها بواسطة وسائل تقنية سيلحق ضرراً كبيراً على المعتقل، فإنه يمكن أن تُعقد الجلسة بحضوره، إلا أنه لا يمكن أن تعقد الجلسة بحضور معتقل مفروض عليه الحجر الصحي. وفي حالة عقد الجلسة بواسطة الوسائل التقنية، يمكن لمحامي المعتقل التواجد فعلياً في قاعة المحاكمة، ويُسمح للمعتقل ومحاميه بمحادثة سرية قبل الجلسة أو خلالها أو بعدها مباشرة لأجل الاستشارة القضائية فقط.

استثنى هذا الأمر الجلسات القضائية التي تُعقد لتمديد التوقيف، بحيث يمكن للمعتقل ومحاميه حضورها، هذا بالإضافة إلى جلسات الاعتقال الإداري التي تُعقد بحضور المحامي، ويتم الاتصال بالمعتقل الذي يرغب بالحضور بواسطة الفيديو، أما المعتقلين الذين يوقعون على ورقة تفيد أنهم يتنازلون عن حقهم في حضور الجلسة، فإنه لا يجري الاتصال بهم.

إن هذه الأوامر التي صدرت عن القائد العسكري للمنطقة تمسّ بشكلٍ مباشر حق المعتقلين الفلسطينيين بمقابلة محاميهم وتلقي الاستشارة القانونية، بالإضافة إلى حرمانهم من الزيارات العائلية مع عدم توفير بديل للتواصل مع الأهل.

إن زيارات المحامين والأهل ومنذ زمن تتم عبر هاتف من خلف زجاج مغلق بشكل محكم، وبالتالي هناك صعوبة عالية لنقل الفايروس من قبل المحامين أو الأهل للمعتقلين، ولا يمكن تفسير هذه الإجراءات التي أقرتها سلطات الاحتلال بادعاء مكافحة انتشار فايروس كورونا إلا مزيداً من التضييق بحق الأسرى والمعتقلين وعوائلهم، واستمرار عزلهم عن العالم الخارجي.

الأسرى الفلسطينيون في ظل تفشي فايروس كورونا

إن المعتقلين والأسرى الفلسطينيين يواجهون خطراً حقيقياً يهدد حياتهم بعد تفشي فايروس كورونا خاصة في ظل التزايد السريع في عدد الإصابات بفايروس كورونا في الداخل الفلسطيني المحتل، وارتفاع عدد الوفيات، لأن الأسرى على احتكاك مباشر مع المحققين والسجانين والعاملين في إدارة مصلحة السجون، ويعانون من الاكتظاظ الشديد داخل أقسام السجون، ولا يتوفر لديهم أدنى متطلبات الرعاية الصحية أو مواد التنظيف والمعقمات اللازمة للوقاية من الفايروس، كما ويقبع في سجون الاحتلال حالات مرضية عديدة بالإضافة إلى أسرى كبار في السن مما يضعهم في دائرة الخطر الشديد.

وبدلاً من أن تتخذ سلطات الاحتلال الإجراءات والتدابير اللازمة لحماية الأسرى، شرعت في التضييق عليهم حيث أصدرت مصلحة السجون ببداية شهر آذار قراراً بسحب 140 صنفاً من المواد الغذائية والمنظفات وغيرها الموجودة في الكانتينا، وبناءً عليه طلب الأسرى من الإدارة أن تؤجل البت في هذا القرار لما بعد أزمة كورونا، نظراً لأن الأسرى في هذه الفترة بحاجة للمواد الغذائية والمنظفات لمحاربة فايروس كورونا.

وبعد ضغط الأسرى ومطالباتهم المستمرة لاتخاذ إجراءات أكثر حماية لهم، بدأ السجانون في الأسبوع الأول من شهر نيسان بارتداء الكمامات والقفازات عن الدخول لأقسام السجون، بعد أن مضى شهر آذار كاملاً دون لبسها أو اتخاذ تدابير الحماية. كما وبدأت إدارة السجون في تعقيم الأقسام إلا أن هذا لا يشكل غرف الأسرى وإنما المرافق العامة الأخرى. ولم تقم إدارة السجون بتوزيع أي صنف من مواد التعقيم، وإنما اقتصرت على كمية من الكلور التي توزّع عادةً على أقسام الأسرى.

لم يختلف الأمر بالنسبة للعدد الذي تقوم به إدارة السجون يومياً، حيث بقي العدد ثلاثة مرات يومياً، أما بالنسبة للفحص (دق الشبابيك) الذي كان يحصل مرتين باليوم، بدأت إدارة السجون منذ بداية نيسان بتنفيذ الفحص مرة من داخل القسم والمرة الثانية من الخارج.

قامت إدارة السجون منذ بداية نيسان وبعد الضغط من الأسرى بتوزيع كمامات بعدد قليل للأسرى العاملين في أقسام السجون فقط الذين يكونوا على احتكاك مباشر مع السجانين، وقبل أيام أقرّت توزيع كمامة لكل أسير، إلا أنه وحتى اللحظة قامت بتوزيع الكمامات في سجن ريمون فقط.

أما فيما يتعلق بالتنقلات داخل أقسام السجن أو خارج السجن، فإنها توقفت بالكامل منذ بداية الأزمة.

إن دولة الاحتلال وفقاً للمواثيق والمعاهدات الدولية هي المسؤولة عن حماية الأسرى من أية مخاطر كالأوبئة والمخاطر الصحية، وملزمة بتوفير كافة وسائل الوقاية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لدفع الضرر عنهم وحمايتهم خاصة في ظل تزايد الخطر الذي يحدق بهم نتيجة للاكتظاظ الذي تعاني منه السجون، حيث ما زالت سلطات الاحتلال لا تطبق قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بالكامل، حيث تقدمت جمعية حقوق المواطن في اسرائيل والمركز الأكاديمي للقانون والأعمال وجمعية أطباء لحقوق الانسان بالتماس إلى محكمة العدل العليا لدى الاحتلال وذلك فيما يتعلق بالمساحة المخصصة لكل أسير في السجن حيث لا تتعدى المساحة المخصصة لكل أسير الثلاث أمتار مربعة شاملةً المكان المخصص للنوم والاستحمام والمراحيض[1]، الأمر الذي من شأنه أن يشكل مخالفة للوائح مصلحة السجون الاسرائيلية والتي حددت المساحة لكل أسير بستة أمتار[2]. وعليه فإنه يصبح من الصعب على الأسرى التحرك بحرية في زنازينهم في ظل اكتظاظ أعداد الأسرى وضيق المساحة المتاحة.

وفي العام 2017، ردت المحكمة العليا للاحتلال بإلزام "الدولة" أن تقوم بتعديلات على المساحة المخصصة لكل أسير بحيث تلتزم بالمساحة الواجب توفيرها لكل أسير، على أن يتم ذلك على مرحلتين الأولى تتم على مدار تسعة أشهر[3] والثانية تكون على مدار ثمانية عشر شهراً[4]. وعلى الرغم من أن المهلة التي وضعتها المحكمة لإحداث هذه التغيرات هي مهلة كافية إلا أن النيابة العامة الاسرائيلية طالبت بتأجيل تنفيذ هذا القرار حتى عام 2027. إلا أنه في عام 2018، ردت المحكمة العليا الإسرائيلية على طلب النيابة بتأجيل التنفيذ آمرةً بتوسيع المساحة المتاحة لكل أسير حتى (4.5) متر مربع حتى العام 2020، وقرر القضاة أيضاً ان على الشاباك الامتثال لأمر توسعة المساحة الحياتية في مرافق الخدمات الأخرى المخصصة للأسرى حتى عام 2021.

إلا أنه حتى هذه الفترة لم تقم سلطات الاحتلال بتطبيق القرار بالكامل وبالتالي تزداد الخطورة لتعرض الأسرى للفايروس دون وجود أدنى متطلبات الوقاية.

اعتقالات مستمرة في ظل تفشي فايروس كورونا

استمرت سلطات الاحتلال في اعتقال الفلسطينيين في ظل تفشي فايروس كورونا في الأرض الفلسطينية المحتلة في ظل انشغال العالم في الحث على الحجر المنزلي للوقاية من الفايروس، وعلى عكس التوجه العالمي باتخاذ العديد من دول العالم قرارات بالإفراج عن المساجين في إطار مكافحة فايروس كورونا. تابعت مؤسسة الضمير حالات لمعتقلين قامت سلطات الاحتلال باعتقالهم في ظل الأزمة، ونقلتهم لمراكز التحقيق المختلفة ومن ثم قامت بالإفراج عنهم دون تقديم لائحة اتهام أو حجزهم لفترة قصيرة، وبالتالي يثير التساؤل حول ضرورة الاعتقال والنقل للتحقيق ليتم الإفراج عن المعتقل لاحقاً.

 من الحالات التي تابعتها الضمير حالة المعتقل أحمد نصار وهو طالب جامعي بسنته الثانية، اعتُقل من منزله بتاريخ 4/3/2020، ونُقل لمركز تحقيق بيتح تكفا حيث قبع ل16 يوماً، وفي آخر أيام التحقيق كان معزولاً في زنزانة دون تحقيق وسمع من بعض السجانين أن هناك شكوك بوجود شخص مصاب بفايروس كورونا، فأحضروا له كمامة للبسها وبالمقابل كان السجانون يلبسون واقي أبيض وقفازات وكمامات. جرى نقله من بيتح تكفا إلى زنازين العزل في الرملة، وفي اليوم الثاني حضر طبيب وأخبره أنه في حجر صحي لمدة 14 يوم ومن ثم سوف يتم نقله لسجن مجدو. أفاد أحمد نصار أنه كان يتم إجراء فحص للحرارة له مرتين في اليوم، وأن ظروف العزل كانت سيئة جداً من ناحية الطعام، فلم تكن كمية وجودة الطعام جيدة. وفي اليوم السادس أبلغوه أنه لديه جلسة محكمة وسينتهي حجره في اليوم التالي، وفي ذات اليوم تم الإفراج عنه ونقله إلى حاجز قرب نابلس.

أما المعتقل قيس ضراغمة وهو طالب جامعي في سنته الثالثة، فقد جرى اعتقاله بتاريخ 24/2/2020 ونُقل لمركز تحقيق بيتح تكفا حيث قبع ل21 يوم، عُزل خلالها وأبلِغ بشكل رسمي بعد فترة من الزمن بوجود تخوف من إصابة أحد المحققين بفايروس كورونا، حيث تم إخراجه من الزنزانة وإعطائه كمامة وقفازات ونُقل إلى زنزانة انفرادية في سجن الرملة، وفي اليوم الثاني حضر طبيب وأبلغه أنه في حجر صحي لمدة 14 يوم سوف يكمل منها 8 أيام على اعتبار أنه كان معزولاً في بيتح تكفا، وأجرى له فحص حرارة. أفاد قيس أيضاً أن الطعام في العزل كان سيئاً كمّاً ونوعاً. في اليوم الثامن من العزل حضر الطبيب وأبلغه أنه أنهي الحجر الصحي وجرى نقله لمعتقل عوفر حيث قبع لمدة 6 أيام في قسم "المعبار"، وبعد 6 أيام نُقل مجدداً من عوفر إلى عزل "أيلا" حيث قبع لمدة 4 أيام دون إجراء أي فحص طبي، وبعدها أبلغوه أنه لديه جلسة محكمة وأُجريت الجلسة بواسطة الهاتف ليتم الإفراج عنه بعد الاكتفاء بمدة السجن وغرامة مالية 2000 شيقل وسجن مع وقف التنفيذ 9 أشهر لمدة ثلاث سنوات.

 



[1] أنظر تقرير اننتهاكات 2018، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الانسان، 2019، 56-57.

[2] منشور بعنوان الكثافة في السجون والاحتجاز، منشور من قبل جمعية حقوق المواطن في اسرائيل بتاريخ 25 شباط 2019، تمت آخر زيارة بتاريخ 15 شباط 2020. متوفر على الرابط التالي: https://www.acri.org.il/post/__171.

[3] تشمل هذه المرحلة تأمين الدولة لكل أسير مساحة معيشية تعادل 3 أمتار دون المراحيض وأماكن الاستحمام.

[4] تشمل هذه المرحلة تأمين مساحة فعلية للأسرى بواقع 4 أمتار غير شاملة لمساحة المراحيض وأماكن الاستحمام أو 4.5 متر شاملة للمراحيض وأماكن الاستحمام.